محمد بن الطيب الباقلاني
195
إعجاز القرآن
ونفور الطبع ، وشراد ( 1 ) الكلام ، وتهافت القول ، وتمنع جانبه ، وقصورك في الايضاح عن واجبه . ثم لا تقدر على أن تنتقل من قصة إلى قصة ، وفصل إلى فصل ، حتى تتبتر ( 2 ) عليك مواضع الوصل ، وتستصعب عليك أماكن الفصل ، ثم لا يمكنك أن تصل بالقصص مواعظ زاجرة ، وأمثالا سائرة وحكما جليلة ، وأدلة على التوحيد بينة ، وكلمات في التنزيه والتحميد ( 3 ) شريفة . / وإن أردت أن تتحقق ما وصفت لك ، فتأمل شعر من شئت من الشعراء المفلقين ، هل تجد كلامه في المديح والغزل والفخر والهجو يجرى مجرى كلامه في ذكر القصص ؟ إنك لتراه إذا جاء إلى وصف وقعة ( 4 ) ، أو نقل خبر ، عامي الكلام ، سوقي الخطاب ، مسترسلا في أمره ، متساهلا في كلامه ، عادلا عن المألوف من طبعه ، وناكبا عن المعهود في سجيته . فإن اتفق له في قصة كلام جيد ، كان قدر ثنتين أو ثلاثة ، وكان ما زاد عليها حشوا ، وما تجاوزها لغوا . ولا أقول : إنها تخرج من عادته عفوا ، لأنه يقصر عن العفو ، ويقف دون العرف ، ويتعرض للركاكة . فإن لم تقنع بما قلت لك من الآيات ( 5 ) ، فتأمل غير ذلك من السور ( 6 ) ، هل تجد الجميع على ما وصفت لك ؟ لو لم تكن إلا سورة واحدة لكفت في الاعجاز ، فكيف بالقرآن العظيم ؟ ولو لم يكن إلا حديث من سورة لكفى ، وأقنع وشفى . ولو عرفت قدر قصة موسى وحدها من سورة الشعراء ، لما طلبت بينة سواها . بل قصة من قصصه ، وهي قوله : ( وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي ، إنكم متبعون ) ( 7 ) إلى قوله : ( فأخرجناهم من جنات / وعيون ، وكنوز ومقام
--> ( 1 ) م : " وشرود " ( 2 ) كذا في ا ، وفى س ، ك تتبين . وفى م " حتى تتعثر " ( 3 ) م : " والتمجيد " ( 4 ) س : " واقعة " ( 5 ) كذا في م . وفى س ، ك : " من الأبيات " ( 6 ) ا : " من الشعر " ( 7 ) سورة الشعراء : 52